كيف تصبح من "النبلاء" ؟
إلى الجيل الصاعد ذي الهمة
“وكان من أجلاد الرجال ،وألباء القضاة ،ذا ذكاء وفطنة ، وعزيمة ماضية ،وبلاغة وهيبة” ....”وكانت عالمة فقيهة حجة ، كثيرة العلم” ، أوصاف تواترت في كتب السابقين ، ونعوت تقدح في ذهن كل ذكي وذي عزم حب المنافسة والمسابقة لنيل الشرف ، فهل يكره أحد طيب الذكر بعد الموت ؟ فالإنسان متى ما تحلى ببعض الهمة، طاوعته نفسه به إلى المعالي، لكن المكان بطبعه مكتظ هناك فإذا به يسعى لحجز مكان بين أرباب الفنون والعلوم، لما علم من شرفهم وتميزهم بمحاسن الخصال، كالقوة في الاجتهاد ، والصبر على التحقيق، ورجحان العقل ، ثم عملهم بما علموه ، ونشرهم لما فقهوه على اختلاف علومهم ومشاربهم، وغيرها من الصفات السنية التي يطمع كل حاذق في حيازتها، والتي توديه إلى أن أحسن الاتباع إلى المنافسة على مقاعد الفردوس - نسأل الله إياها-.
ولا تكاد عين المتصفح لكتب التراجم -التي بالمناسبة، على الطالب المجتهد أن يكون له منها ورد- أن تخطأ توارد هاته الصفات عند التعليق على حيوات العقول المسلمة ، فأنت إن أمسكت سير أعلام النبلاء -درة التراجم الإسلامية- وذهبت تقرأ فيه ففتحته في المنتصف ، وجدت مثلا في ابن عقيل : “وكان يتوقد ذكاء ، وكان بحر معارف، وكنز فضائل ، ولم يكن له في زمانه نظير” ، ثم إن عدت أدراجك متسائلا عمن سبقه لقيت في الطبري : “الإمام العلم المجتهد ، عالم العصر، صاحب التصانيف البديعة ، كان من أفراد الدهر علما وذكاء ، وكثرة تصانيف ، قل أن ترى العيون مثله” ثم تعيد التقدم فيه ، فإذا بك تجد “الغزالي أبو حامد محمد بن محمد ، الشيخ الإمام البحر ، حجة الاسلام، أعجوبة الزمان، صاحب التصانيف والذكاء المفرط” ، في أحوال تدع القارئ فيها متعجبا مجلا لمن سبقوه ، ومتحمسا ليحذو حذوهم..
وربما وجد الانسان في نفسه أن هؤلاء كلهم مشهورون معروفون مسبقا ، ليس بينهم المغمور الذي لم يفتح له في ذيوع الصيت، فإذا بالكتاب بين يديه يجيبه قائلا : “وكان في العلم بحرا لا تكدره الدلاء ، وله لسن وبلاغة وبصر بالحديث ورجاله وعربية متقنة وباع مديد في الفقه لا يجارى فيه مع التأله والعبادة والنوافل وبعد الصيت والعظمة في النفوس” فتتساءل : يا ترى من هذا العلم ؟ إنه أبو بكر ابن الحداد الشافعي ، -الذي إن لم تكن طالبا متقدما في الفقه الشافعي أو مهتما بطبقات الفقهاء ، لن تسمع عنه. ثم يتبعك ب “الرحبي رضي الدين يوسف بن حيدرة ، البارع إمام الطب الحكيم ، كان رئيسا عالي الهمة كثير التحقيق، تصدر للافادة وخرج منه عدة أطباء كبار” ، فهذا قد أفاد وأشاد في الطب، فلم يقتصر الأمر إذن على علماء الشريعة…ثم يختم ما عنده ب”فاطمة بنت زعبل ، الشيخة العالمة ، المقرئة الصالحة المعمرة ، مسندة نيسابور ، أم الخير”، فتغلق الكتاب وقد أيقنت أن هاته ظاهرة أكثر منها حالة فردية.
لكن تبقى حسكة صغيرة في حلق بعض القراء، الذين يحتاجون تعضيدا خارجيا ليقروا بما يسمعون، فلا نعلم أكان ذاك شك في أئمة المؤرخين عندنا وهم أعدل الناس ؟ أم أنه نوع خور ؟ لكن على العموم ، فإن الإنصاف لم يعدم في الأوساط الأكاديمية الغربية بكل حال ، فتجد هاملتون في كتابة “التاريخ الضائع - تراث علماء ومفكري المسلمين الخالد” يقول “ابتكر الخوارزمي نظاما رياضيا قدم مفتاحا لأقفال مستويات الكون ، إذ مكنت أرقامه وطرقه الحسابية من بناء ابتكارات اليوم من الأبراج ذات الطوابق المائة والجسور الممتدة بميل ، تفاعلات الفيزياء النووية ، حساب التفاضل والتكامل لاقتصاد عالمي ، لغة وذكاء البرمجيات، وسرية محادثات الهاتف المحمول” و جورج سارتون في حديثه عن البيروني “كان البيروني من أعظم علماء الإسلام وأكابر العالم” بل وقال فيه إدوارد سخاو “إنه أكبر عقل عرفه التاريخ”.
كل هذا، خاصة كون هاته الأوصاف لم تقتصر على أفراد محددين تستطيع جمعهم في ورقة، تدفع اللماح الى التفكير أنه قد يكون للأمر علاقة ب”العقل الإسلامي” بشكل عام -أي النسق الفكري أو المناخ المعرفي السائد في الأوساط الإسلامية- ، لكن ما الذي جعله متميزا ؟
الاجابة عن هذا السؤال لن تكون شافية كافية في بضع صفحات بطبيعة الحال، لكن كما ورد في منثور الحكمة : ما لا يدرك كله لا يترك جله، فدونك يا صاح هاته الصفات التي يدور عليها المترجمون ، بل والتي تحددها هاته العقول الباهرة نفسها إن سألت “بماذا أدركت ما أدركت ؟”
صرح ممرد من قوارير - المنظومة المعرفية الإسلامية :
لعل أبرز شيء يميز العقل الإسلامي -باعتبار جميع أطيافه وتجلياته- هو وجوده داخل إطار معرفي شديد التناسق و”المنطقية” ، فالعلوم لا تنقض بعضها بعضا1 ، والعلم لا يقف مقابلا للعمل، فتجد العلوم كأنها نسجت فس عقد منتظم لا تميز بعضه عن بعض ، بأيه أخذت ففي يدك نفيس ، وفي ذلك شواهد قد تثير الاستغراب عند بادي النظر ، مثل الفراء الذي يفتي بمقاييس اللغة ويصيب2، ومثله الفقيه الذي ينظر في الكتاب ليتعلم القياس، والظاهر أن سبب هذا هو توجه كل العلوم نحو وجهة واحدة = الفقه في دين الله وآياته القرآنية والكونية والتدبر العميق فيها ، أو كما يقول الخطيب البغدادي : واعلم أن العلوم كلها أبازير3 الفقه4 ، وليس دون الفقه علم إلا وصاحبه يحتاج إلى دون ما يحتاج إليه الفقيه ، لأن الفقيه يحتاج أن يتعلق بطرف من معرفة كل شيء من أمور الدنيا والآخرة ، وإلى معرفة الجد والهزل ، والخلاف والضد ، والنفع والضر ، وأمور الناس الجارية بينهم ، والعادات المعروفة منهم ، ولن يدرك ذلك إلا بملاقاة الرجال ، والاجتماع من أهل النحل والمقالات المختلفة ، ومساءلتهم ، وكثرة المذاكرة لهم ، وجمع الكتب ، ودرسها ، ودوام مطالعتها.” ، قكان مثل ما قال عن العلوم كمثل النهر ، الذي تجتمع فيه عدة ينابيع من أصقاع مختلفة وتلتئم للتوجه كلها الى البحر ، أو ما هو أكبر “قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا” ثم تجد أن تفاعل العقل المسلم مع العلوم تحكمه مؤطرات فكرية (Mental Models) أصيلة في جمعها ، مصقولة في رصفها ، لم تزدها القرون إلا سناء وبهاءا ، وأهمها :
منهج التثبت الحديثي : حيث قدم علم الحديث أدوات رصينة لفحص الأخبار ، نتيجة الحاجة إلى ضبط ذلك لأهمية النقل في الإسلام (فأصل هذا العلم هو التوسل به إلى حفظ سنة الرسول عليه الصلاة والسلام) ، ونضرب لذلك مثالا بعلم العلل ، أحد أعمدة علم الحديث ، وهو المعني بتتبع واحصاء وتصحيح أخطاء الثقات والحفاظ من أئمة النقل ، حيث يعمد المحدث الى الرواية ويفحصها أولا سندا ، فيدقق في الرواة والاتصال بينهم ، ثم يعرضها للمقارنة مع غيرها، متخذا في ذلك بعض “الخوارزميات” كدليل له ، فان وجد أن راويا آخر أثبت في الشيخ المشترك من الراوي الذي يتم فحص حديثه قد خالف فيه، أثبت رواية الأحفظ ، وربما كان المقارن بينهما مستويان ، فيعمد إلى القرائن يجليها ويرى حالها ، في نظام دقيق وبحث حثيث ، جعل العقل المسلم يعالج الوسيلة النقلية بأحسن تعامل.
منهج النظر الأصولي : أما العملية العقلية ، سواء كان ذلك في الإطار التحليلي أو الاستدلالي أو غير ذلك ، فقد أطرها علم أصول الفقه الذي قدم آلة نظر متينة سواء كان ذلك في النصوص -بالتحليل والاستنباط- ، أو الأدلة -أخذا وردا- ، فالإنسان عند قراءته لآية بادئ الأمر محاولا تدبرها ، يلاحظ أن عامة ما يحاول استخراجه يكون أشبه باللطائف -أي لا يرقى ليكون تفسيرا كاملا شاملا- ، لكن ماذا عن تحليل آية بالآلة الأصولية ؟ خذ هاته الآية “ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ”، التي قال فيها الأصوليون أن منطوقها يفيد استمرار الصيام من طلوع الفجر إلى الليل كما هو واضح، لكن المفهوم يدل على أن الليل لا يجوز صيامه، وهذا يسمى بدليل المخالفة، أي ما يفهم بالعكس عند تأمل الآية.
وتكون هاته الآلات الفكرية منضوية تحت مظلة الاستدلال الفطري، أي الطبيعي البديهي الضروري، اعتصاما بأبين الحق، ونظرا فيه بأسهل الطرق.
ومع أن المنظومة الفكرية قد كانت غنية كفاية لتكفي العقل المسلم شغلا ، فان العلم لم ينفصل أبدا عن العمل، بل كان الأخير هو الحاكم له أو الفرقان بين ما ينفع وما لا ينفع من العلم ، وحد ذلك هو ما يوجب الخشية والتقرب من الله عز وجل والقيام بشرائعه وأحكامه ، وما فتئ العلماء وهم يطلبون الفقه يشيرون الى هذا المعنى ابتداءا من الصحابة ، فعن علي بن أبي طالب قال : “يا حملة العلم اعملوا به فإنما العالم من علم ثم عمل ، ووافق علمه عمله“ الى تابعيهم بإحسان الذين من بينهم سفيان الثوري القائل :”يهتف العلم بالعمل فإن أجابه والا ارتحل” ، وهذا لعمري هو ما يحيي أي علم كان -أي العمل به- ، ألم ترى أنك إن اقتصرت على حفظ القاعدة في الرياضيات ولم تطبق عليها ما تلبث أن تمحى من ذاكرتك تاركة وراءها سراب معلومة ؟ أفلا يشدك هذا لتقييدها بالعمل عليها ؟ فما بالك بالعلم الذي يزيد في العقل والنفس على حد سواء ، ويقربك إلى رب الأرض والسماء ،أليس أحق بالعمل به ؟
الصراط والسبل - أو التركيز على النافع والإعراض على التافه :
وهاته ثاني ميزات العقل الإسلامي، منطلقها حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام : “من حسن اسلام المرء ترك ما لا يعنيه”، حديث يجدر بالمرء التوقف عنده لتأمله والتفكر فيه، فالعاقل عارف بكثرة الأعمال والمهام وقلة الأوقات والأيام، فالمشتغل بشغل في غير وقته فهو حتما مضيع لما هو أهم نه ، وما يهم أكثر من دين المرء ؟ فكان ترك اللغو صفة للمقبل على المهم بالمخالفة.
وقد جعل هذا الأمر -الاقتصار على ما يهم من الأفعال- العقل الإسلامي فعالا بشكل عجيب، وهذا ما يفسر سبب كثرة تحصيل العلماء من المعارف والأعمال ما لا يقوم بمثله الزمان، وما ذلك إلا لتواصيهم بهاته الجد وعدم التواني وشغل الأوقات بما هو نافع (وهاته صفة في جميع الناجحين العظماء ، لكنها في الدين الاسلامي اكد وفي العلماء أظهر). فتجد العلماء لا يمدحون بعضهم البعض بسعة المحفوظ ودقة النظر وحسب، بل مدائحهم تكون على نمط ما قيل في الإمام عبد الله بن المبارك إذ يذكره أصحابه بأنه : “ جمع العلم والفقه والأدب ، والنحو واللغة ، والزهد والشعر والفصاحة والورع والإنصاف وقيام الليل والعبادة والحج والغزو والشجاعة والفروسية والشدة في بدنه ، وترك الكلام فيما لا يعنيه وقلة الخلاف على أصحابه” ، وهذا لوصف عظيم ذو درر، انظر الى ما جمع هذا العالم الذي قيل عنه أنه أعلم أهل المشرق وأهل المغرب وأنه إمام المسلمين ترى أنه حاز من العلوم وأشرفها وأنفعها (حتى أنه ورد عنه معرفته بالطب، ودونك حكايته مع سفيان الثوري لما وصف له دواء لعلته) وهذا مما لا يستطيعه أحد بالإقبال على السفاسف، والاكتفاء بالكلام دون العمل، والتسويف دون الفعل، والقعود يتلوه الكسل، بل يلزمه ما لزم الشعبي اذ سئل بما نال ما ناله : بِنَفْيِ الاغْتِمَامِ، وَالسَّيْرِ فِي البِلاَدِ، وَصَبْرٍ كَصَبْرِ الحَمَار، وَبُكُوْرٍ كَبُكُوْرِ الغُرَابِ ثم انظر إلى “ما” جمع ، ترى فيه العلوم النظرية كالفقه واللغة والفصاحة ، ثم تراه مطابقا لما تكلمنا عنه سابقا من العمل بالعلم ، فهو الورع الزاهد القائم بالليل الغازي بالنهار.
وهذا جميعه لا يتم إلا بالتخلي عن التوافه ، و شغل الوقت بالنافع بدل التقاعس والاشتغال بتقصي الحجج والأعذار ، فابن المبارك الذي قرأت عنه بدأ طلبه للعلم وهو ابن العشرين (مقارنة بما يسمعه الإنسان هاته الأيام عمن حفظ القرآن وهو ابن عشر وأفتى وهو ابن سبع عشر ، فتئن له همة المتأخر الذي ينافس في معالي الأمور) ، لكنه يعمل ويبدأ السير بشبر ، ويتكل على الله الذي لا يخذل من أراد وجهه ، فلا يلبث أن يفتح له طريق الشبر الآخر. علما أن المفتاح ليس حماس يومين وثلاثة، بل هو المداومة والاستمرار ف” اكلُفوا من العملِ ما تطيقونَ فإنَّ خيرَ العملِ أدومُه وإن قلَّ” ، مستعينا على ذلك الأصحاب ، ف”المرءُ على دينِ خليلِه فلينظرِ المرءُ مَن يُخالُّ”، لهذا ترى أن إنسانا جادا كالإمام عبد الله ، ينتقي أصحابه كمن يبحث عن الدر، أصحاب مقبلون على ما يعنيهم مثله ، قد جادوا بأوقاتهم فيما ينفعهم ، فيكون ذلك له ذكرى وحافز.
فهكذا يصل المرء - بتوفيق الله ونصره - الى منزلة يقول فيها الاوزاعي - وهو الإمام الذي لا يلقي الكلام جزافا - عنه “لو رأيته لقرت عينك”.
ولتعلم أن اللغو هو منازل ومراتب، فمنه :
اللغو العلمي :ففي العلوم لغو وزبد، منه الذي لا ينفع ومنه الضار قطعا، ومن ذلك ما الاشتغال بدقائق المسائل قبل جليلها، طلبا للشهرة أو الحجة عند الجدال، ومن كانت هاته سبيله ألفيته مذبذبا لا يثبت على شيء،عارف بالقشور دون اللب، حافظا لجواب أو اثنين، حزينا إذا فاتته المسألة التي قد تبكت خصمه، لكن لا يهتز إذا تذاكر أحكام الصلاة فلم يعرفها، قد أفنى وقته في طلب الردود والسجالات، متوهما أنه سيحمي الأمة من الخطر المحدق بها، فلا أفلح أبدا. فالأولى بالعاقل الذي أوتي الهمة ، أن يجعلها في مكانها المناسب، ولا يتعجل الثمرة قبل أوانها، ويقبل على ما يعنيه لدينه ودنياه ، أي ما يعني خاصة نفسه ابتداء ، فيرفع الجهل عن نفسه ويتقرب لربه، بدل الخوض في معارك وهمية شعارها الانتصار للحق ، وهو لا يعرف ما الحق أصلا.وعلى هذا ترى جلة العلماء، فجميعهم يبدأون بالأهم قبل المهم ، ألم ترى أنهم يأمرون من يأتيهم بإحكام القرآن ابتداءا ؟ ثم العربية ثانية ؟ وفي هذا المعنى حكاية إذ أتى الطالب إلى الشيخ يطلب الحديث ، فسأله الشيخ هل تحفظ القران؟ ثم هل أحكمت الفرائض ثم هل قرأت العربية ، مبينا عما يجدر أن ينصرف إليه بال الطالب بدل الانشغال بالحديث (الذي كان يطلبه الكثير شهرة في ذاك الزمن) ، وقد أحسن الجوزجاني إذ قال : وينبغي لطالب العلم أن يتفكر في ذلك [أي نيته وسبب طلبه للعلم] فإنه يتعلم العلم بجهد كثير”، وما أشد حسرة من ظن الظنون وأفاق بعد سنوات في صحراء قفار ، فلا حصل ولا رأى سوى الغبار.
ومن هذا ما تراه من التدقيق النظري في قضايا لا ينبني عليها العمل ، على ديدن الفلاسفة الذين نظروا حتى تجاوزوا الأمر إلى التخرص، ودققوا حتى فتحوا العقبة الى التكلف مقبلين بجهودهم على ما لا ينفعهم.
اللغو العملي : وهذا يكون إما إفراطا أو تفريطا ، إذ من خيرات الشباب من يجلس على ما يذهب بعمره دون فائدة، طلبا للذة العاجلة، مستثقلا سهر الليل وتعب البحث والتحصيل العلمي الرصين. وليست هاته حال العازم الذي يرجى له الخير ، فأنت ترى نفس هذا الشاب إن أقبل امتحان المدرسة ، أبى أن يكون بين المتأخرين، فهو يجد ويكد ويسهر الليالي ليحصل نقطة ترضيه، ولا يتوانى في سبيل نقطة جيدة يبتغي إليها سبيلا، لكن إن أتى وقت العمل للامتحان الأكبر -الآخرة- تقاعس وأتى بالأعذار ، فهل يرجو أن يجد له مكانا بالسحر في الأعالي ؟ كلا ، فمن ضاق مرارة الفطام وصعوبة صبر على عقبات البدايات وأهوال الحياة للمداومة، ليس كمن جلس يتمنى والوقت يتسرب من بين يديه جزافا، ومعه في الضفة المقابلة، الذي ينوي تحصيل كل شيء ودرس كل علم، فلا يلبث أن ينتقل من علم إلى آخر ومن كتاب إلى غيره، زاعما أن الزمان يتقضي وعليه الإسراع في التحصيل، وقد أصاب اذ قال أن الزمان ينقضي، لكنه يذهب وهو لم يتحرك من مربع البداية، اللهم إلا أسماء الكتب والمؤلفين الذين صار حاذقا فيهم، وهذا إنما يصدق فيه قول الجاحظ الجامع :ومن أراد أن يعلم كلّ شيء، فينبغي لأهله أن يداووه! فإنّ ذلك إنما تصوّر له بشيء اعتراه!! فمن كان ذكيّا حافظا فليقصد إلى شيئين، وإلى ثلاثة أشياء، ولا ينزع عن الدرس والمطارحة، ولا يدع أن يمرّ على سمعه وعلى بصره وعلى ذهنه، ما قدر عليه من سائر الأصناف، فيكون عالما بخواصّ. ويكون غير غفل من سائر ما يجري فيه الناس ويخوضون فيه. فهذا هو السبيل الصحيح من أحد أكبر “مثقفي” الحضارة الإسلامية بإطلاق.
وعلى العموم ، فقد في علماء الإسلام آية في حفظ الأوقات ودوام الاشتغال والتجرد عما لا ينفع من الأعمال ، حتى الاكل والشراب وغيرها من المتع ، فقد علموا أنها فترة يسيرة وتنقضي ، وبعدها الفوز أو الخسران.
القلب في العقل - مركزية التزكية :
لكن الكلام هنا عن العلوم ، أليس كذلك ؟ نعم ، لكن إن قرأت ما سبق ببعض التركيز فلعلك تلاحظ تصورا مختلفا عن العلم ، تصور يرى الاشتغال الدائم به أولوية ، والعمل كنتيجة محتومة للعمل، ولكن عماد كل هذا التوجه الى الله تعالى والقصد إليه ، فلتعبر الأسطر التالية في نعش “العلم المثالي” .
فلتعلم ابتداء أن العقل- نقصد به النظري التحليلي- ليس مركزيا في البناء الإسلامي المعرفي، وأنه ليس بالجوهر الفرد (أي أنه ليس مكونا قائما بنفسه كما هي النفس في الإنسان) بل هو حاسة قوية جدا مقرها القلب، بها ينشىء العلاقات بين الأشياء ويفككها ويحللها5، ولنضرب مثلا هنا، من المعلوم أنك لن تستطيع تفعيل حاسة الشم جيدا اذا كانت هناك مشكلة في الأنف، وكذاك العقل ، لن يعمل بشكل صحيح إذا كانت هناك مشكلة في القلب.
لا تفهم من هذا أن كل من لم يكن “زكيا” فليس “ذكيا” ، فالأمثلة المخالفة لا تحصى (في الحقيقة ، القتلة المتسلسلون قد يكونون أشد ذكاء من دكاترة في جامعات عالية الترتيب ولطالما ثبت هذا) ، لكن المقصود هنا هو خطأ العلاقة التي أقيمت بين العقل والذكاء (فكون الإنسان ذكيا ككونه سريعا ، ليس للأمر وصف تفضيلي ذاتي) ، وعدم رؤية الأمور على حقيقتها، وبالتالي يكون هذا سببا أما في :
- عدم الانتفاع بالعلم == أي أنه لا يتحول الى عمل.
عدم البركة في العلم ، فيجد الجهد الجهيد فيما لا ينفع.
قد تظهر خاطرة “لكن بعضهم أفادوا البشرية…” ، لكن مربط الفرس دائما هنا هو اساءة فهم العلاقات بين الأشياء ، ما العلاقة بين “الخير” و “افادة البشرية” ؟ لماذا علي أن افيدها ، ولماذا هذا شيء جيد ؟ هل هذا هو سبب وجودي هنا ؟ عندي لك مثال ، ما تقول في طالب اجتاز امتحان رياضيات ، لكن بدل حل الاسئلة ، عقد نقاشا فلسفيا راقيا حول دقة المنطق الرياضي في ورقة إجابته. قد تتقاطع الاجابات مع ما كان يناقشه ، لكن هل تلك هي الإجابة الصحيحة ؟ أم أننا سنقبل إجابته لأنها ابداعية ؟ فكر في الأمر قليلا.
عموما نعود الى موضوعنا ، بالنظر الى ديننا الاسلامي ، نجد أن التزكية تأخذ مساحة كبيرة في الرسالة ، بل قد جعلها الله تعالى من مقاصد الرسالة النبوية العظمى ، اذ قال : “كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ” ، وعلق الفلاح بها بعد أكبر قسم في القران كاملا : وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ،فحياة المؤمن الباطنية هي التي تحدد فعلا مصيره سواء في الجنة أو في النار ، لأن اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ وأَمْوالِكُمْ، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ وأَعْمالِكُمْ. لهذا أولاها الإسلام أهمية مضاعفة بشكل عام، فكان أول ما امتدح به المؤمنون أنهم الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ، بل وترى هذا بشكل أكثر تركيز فيما تعلق بالعلم ، فانظر في ذم من “جمع المعلومات” لكن كانت همته خسيسة لصيقة بالأرض ، فقيل فيه وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175)وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون (176)
أما الحديث عن تأثير هذا على أئمة الإسلام، فلا عليك ما تركت مما أخذت، لكن أظهر شيء في ذلك هو إتقانهم لعملهم بما لا يعلى عليه البتة، فالإنسان إن أخلص نيته وعمله لله وحده لا شريك، لزمه أن يجود عمله ويرسمه لما يناسب من يعمل لأجله (فمن كان يساير أحدهم أثناء كتابة كتاب ، سعى لكي ينتصر لهوى الذي يسايره) ، وبما أن هدى الله هو أكمل الهدي ، فليست إصابة الحق عنه ببعيد. ثم إن العمل ان اشترك فيه كثير ضاعت ثمرته ولبه ، أو بعبارة أبلغ وأجل :ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ، لوجوب مراعاة الأهواء المتناقضة المتعارضة ، والناقصة فوق ذلك ، حتى أنه يتحرر من هوى نفسه المتقلبة التي لا تثبت على حال (وهاته كانت هنة تعظيم العقل، إذ أن النظام التزكوي يقول أن النفس هي أولى الأشياء بالمساءلة، بينما يقول من يمركز العقل أنه أولى الأشياء مقابلة بالتسليم ، ولك النظر في الذي أي الناظمين قربا لما يدعون أنه يطور العلم) ، وثانيا ، فان الانسان إن جعل الله هو وكيله ومقصده في العمل ، عمل على تجويده وإتقانه ما يستطيع لأنه دوما في حالة مراقبة، فلا يحتاج الله تعالى لمخبر عن عبده أو لوسيط تمكن مراوغته ، بل هو مطلع مباشرة على الوضع ، ومعنى المراقبة هو الذي يولد الخوف ، والخوف يولد الرجاء، وهاته هي أساسات التزكية كما يقدمها الاسلام ، وفي هذا المعنى ترى الإمام مالك وهو يكتب موطأه -الجامع للأحاديث النبوية- بعدما أخبره صديقه أن الناس قد أغرقوا الدنيا بمثل ما يفعل ، دفعا له للبحث عما “يتميز به” ، تراه وقد أدرك الأشياء على حقيقتها إذ لم يكن التميز يوما في التفرد ، بل هو كما قال : “ما كان لله دام واتصل وما كان لغيره انقطع وانفصل”.
ما الذي يوجد في الضفة الأخرى - مقارنة بين الفكر الإسلامي واليوناني :
هكذا ، نستطيع الانتقال لبعض التمرين مع معلومات إضافية ، فلطالما كان التطبيق سمة مميزة لطريقة التلقي في نمط التعلم الإسلامي ، ولنسأل : اذا كانت هاته هي مميزات العقل الإسلامي ، فما الذي يفرقه عن غيره ؟ للجواب عن هذا السؤال ، فلنعقد مقارنة بينه وبين العقل اليوناني/الأوروبي، بصفته الأكثر أهمية خلال التاريخ الإنساني، وكونه مبدأ الفلسفات الحديثة التي تحكم جل العالم.
(ملاحظة : الفروق بين الفلسفة اليونانية والأوروبية الحديثة كثيرة ومحورية ، لكن السياق لم يتغير ، ونمط التفكير العام بقي ثابتا خلال القرون الماضية)
بداية، كنا قد قدمنا الحديث عن ترابط النظام الإسلامي بشكل عام وتوائمه الخارجي والداخلي ، فبالنظر إلى الضفة الأخرى وجدت أن أكبر ما قد يعاب عليهم هو عدم انسجام النسق، لا داخليا -إذ كثيرا ما ينقض بعضهم على بعض أصولا تقوم بها منظومات فكرية كاملة- ولا خارجيا -إذ لا توجد مواءمة مع الفطرة والحس البديهي- و نفصل ذلك فيما يلي :
بداية، لم تحدد الفلسفة لا قديما ولا حديثا المجال الذي تشتغل فيه ، فهي كما يقول الأستاذ الطيب بوعزة “تعيش كالطفيلي” على مجالات المعرفة ، فكلما برزت مشكلة برزت لها محاولة حل = علم ، ثم يظهر لهذا العلم فلسفة. (كمشكلة الطاقة التي ظهر لها علم الكهربائيات والميكانيكا التطبيقية) ومصداق هذا ما تراه من محاولات إعادة تعريف الفلسفة الدائمة المستمرة.
ثم إن الفلسفة اليونانية ومن بعدها الأوروبية ، فلسفة حدية لا تكاد تجد فيها رأيا متوسط الأخذ دون إفراط أو تفريط ، وهذا عائد لمحاولة تفسير هذا العالم المعقد بتفسير أحادي البعد مختزل له، ما يتسبب بخروج بعض العناصر من إطار التفسير، فيقوم اليوناني برفضها وربما أنكرها رأسا، وكمثال تاريخي ، انظر الى النمط العقلاني عند ديكارت ثم الملغي للعقل عند فرويد، وحتى الذي زعموا فيه بعض الاعتدال = كانت ، تناقض في نفسه إذ تساءل عن ماهية العقل رغم انه يرفض هذا السؤال -سؤال الماهية- ، وانظر إلى الاتجاه التجريبي البحت والاتجاه العقلاني النظري المحض.
وتجدهم ربما عابوا على المتدينين أمورا ورموهم بالجهل بسببها، لكنك ويا للعجب تجد عندهم نفس الصفات بدرجة أكثر حدية، ومن ذلك أنهم قد يعيبون على الأديان -كالإسلام- الافتراق ووجود عدة تيارات داخلها ، لكن تجد عندهم من التيارات التي لا تحصى والتي تتولد بشكل أسي كل يوم ما يثير الاستغراب، فضلا عن اختلاف هاته الأخيرة في المنطلق والوجهة ، واتحاد الأولى في المنطلق بشكل عام ، وتجد بعضهم يعيب على المؤمنين تسليمهم بالقدر الإلهي، إلا أنهم يقولون بانعدام الإرادة الحرة وبتحكم الجينات و العملية التطورية في صياغة حياة الإنسان، فضلا عن العقل الباطن الذي لا يملك المرء له قيادا.
ثانيا، من الواضح عند تصفح التاريخ، تجد أن الفلسفة الأوروبية قائمة بشكل أساسي على مركزة العقل والنفس، سواء كانت العقل أو الوعي الباطن أو أي شيء من ذلك، فالاعتداد بالإنسان بلغ منتهاه في النظام المعرفي الأوروبي، لكن هذا لا يشمل كل “إنسان” بل المقصود بالإنسان هنا هو الرجل الأوروبي الأبيض ، الذي يعتبر نفسه متعاليا ومتساميا على باقي الأجناس والشعوب، حتى أن الفكرة صارت كالبديهية عند بعضهم، ودونك تعريف الباحثة جوهانا هانكوك ل”المعجزة اليونانية” فتقول أنها “المفهوم الذي يعبر عن الانفجار الحضاري العظيم للإنسان الذي حصل في اليونان القديمة ، وبالأخص أثينا” متابعة اياه بتهكم يؤمن به البعض بالفعل “حيث تتلخص الفكرة في وجود خليط من الذكاء الحاد والقوة -وربما شيء عجيب في المياه- أدى الى ولادة المعاهد والأنواع الأدبية مع النظرة الكونية التي تبناها الأوروبيون اليوم” في تجاهل تام لكل حضارة تك بناؤها قبل وبعد تلك اللحظة.
على العموم، فمتى ما اتخذ هذا الفكر سبيلا إلى عقل المرء ، فإنه لا محالة سيتألى ويتحكم في المعرفة ، فهو الوصي عنها الذي أوتي منها ما لم يؤت غيره ، فإذا جيء بشيء غير ما يراه رفضه وألقاه بعيدا، فما هو إلا صنيعة حمقى جهال متخلفين، أو بعض الخيالات التي لا ترقى لمنزلة العلم منهم، وهذا كما ترى، ماهو إلا تناقض مع “الموضوعية” التي يحاضر عنها الغربيون أمثالنا، واختزال للإبداع الإنساني في عقول لا تبلغ ثلث ما أنتجته البشرية. فكما يقول الطيب بوعزة “الأوروبي يسعى لتفسير ظهوره باللاعقلانية ، وان هاته العبقرية أتت كمعجزة ، فهو لا يقوم بتطبيق ادواته التاريخية التحليلية على نفسه ، فضلا عن مناقضته لأحد مبادئ الفلسفة اليونانية الاصلية ، وهو ألا شيء يأتي من العدم”
في المقابل ، تجد العقل الإسلامي يقوم في أصله على التسليم ، فهو لا يتحكم بالمعرفة لتجاري ما يعتقده أو يفترضه دون تأل أو غمط بقدر الغير ، بل يسلم لواقعه الذي خلقه الله تعالى له ، ويسعى في العمل والتأمل فيه قدر المستطاع، ولعل لهذا علاقة بكثرة النقول في المنظومة الإسلامية ، فالمؤلفون لا يستحون من رد كل الى مكانه، عكس الأوروبيين الذي لا يحتل النقل عندهم منزلة كبيرة ، لا لأنهم أذكى أو شيء من هذا القبيل، بل لإظهار الأمر على أنه نتاج عقل واحد عبقري،
لكن على المرء وطالب العلم بشكل خاص ألا يكفر حقوق الناس وما لهم ، ف”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ” فالدارس للحضارة الأوروبية وفلسفتها ، يرى تراجع فكرة المظنون به على غير أهله كلما تقدم خط التاريخ الفلسفي ، فبعدما كانت الفلسفة وغيرها من العلوم لا يتلقى إلا من قبل طبقة أو جماعة خاصة، صار الأمر إلى التعميم أكثر فأكثر، فانتشر بين الناس وتم ما يدعونه ب”دمقرطة” العلم، حتى أن الناس صارت تهاجم شركات الكتب التي تباع وتضعها بشكل مجاني لفائدة الناس.
ولم يكن العلم في الإطار الإسلامي بأقل قدرا ، فما فتئ العلماء ينشرونه الى كل من ابتغاه علما وعملا وأدبا ، موكلين نية الطالب لله ومحتسبين في ذلك الأجر العظيم.
وكذلك عملية سبك المصطلحات وتوليدها المعبرة عن القدرة على الإمساك بالمفاهيم ومن ثم قولبتها تعد من أهم نقاط قوة الفكر الأوروبي، خاصة في الأزمنة المتأخرة، حيث اعتنوا بتحرير المصطلحات والتدقيق في التعاريف لضبط استعمال اللغة العلمية، دون إخلال بالجانب الأدبي الصناعي منها ،فيما يعاني المجتمع العلمي الإسلامي من نوع نقص في هذا المضمار ، نسأل الله العون والتوفيق فيه لعباده القائمين على سده.
خاتمة وتوصيات - كيف تريد خاتمتك ؟
وهكذا نكون قد وصلنا لخط النهاية، في رحلة كان هدفها التساؤل عمن يكون النبلاء الذين تم تخليدهم في سطور الأئمة المسلمين، وكيف يكون للذكي ذي الهمة المسلم أن يكون منهم، حاملا دينه وعزته به، وعلمه وتعبه فيه في كفيه، فأخيرا نقول أن هاته لم تكن قائمة نهائية للشروط والصفات التي تحلى بها هؤلاء، لكنها أكثرها ملامسة لمن هم في مثل عصرنا من ذوي العزم، فتأملوا فيه وتدبروا رحمكم الله، وهاته بعض التوصيات التي نأمل أن تجد أذنا صاغية ويدا عاملة لها ، والله المستعان :
- أدم النظر في التراجم وفي التاريخ ولا تقطع هذا، فسيرهم تعلم العقل وتورث الأدب، و”نحن إلى قليل من الأدب أحوج من كثير من العلم” .
- تشبع من أدوات الاجتهاد والنظر من علوم اللغة والأصول وغيرها وإن لم تكن متخصصا في علوم الشريعة، فهي التي تصنع عقلك، وليس التصنيع الأصلي كالمستورد المقابل على نسخة أجنبية كما تعلم،
- ترفع عن السفاسف والتوافه وما يشغل الوقت دون طائل، واعلم أنهم
قد رشحوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
- إنما الدين والفضل للأزكياء لا للأذكياء، فاجمعهما رحمك الله، واحرص على التقوى وأعمال القلب، مقتديا بالإمام الشافعي إذ قال “نعم وكرامة” لوصية أستاذه الإمام مالك “يا محمد ، اتق الله واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك شأن من الشأن”
- تضلع من علومك الاصلية واسبح في بحور علومهم مستعينا بالله، واعرف منها الصالح من الطالح، ولتستقل بفكرك، فلم تستطع فلسفة أن تهزم دينا قط
- لا تجعلها خاتمتك ، اجعلها بداية أخرى.
كما كان حال من يدرس الكتاب المقدس وعلوم الفيزياء في القرن السادس عشر.
روي في ذلك أن الفراء قال لمن كان حاضرا المجلس أن يعرضوا عليه مسائل الفقه, فإنه سيجيبهم بمقاييس اللغة العربية, فقالوا له ما معناه “من يسهو في سجود السهو , هل يسجد ثانية للسهو” ؟ فقال أنه لا يسجد , لأ، التصغير لا يصغر , وسجود السهو بمثابة التصغير.
في الحقيقة لا أدري ما الصلة بين السهو والتصغير, لكن محل لاشاهد هو إصابتهم الحكم مع استعماله منظومة معرفي تبدو مختلفة عن الأولى
توابل
والمقصود هنا أن العلوم إنما تتعلم جميعها لخدمة الفقيه , أو أن على الفقيه أن يلم بكل العلوم التي يستطيع عليها لاحتياجه لها في صنعته.
قد تبدو هاته القضية غريبة بادئ ذي بدأ , ولأن الورقة تقصر عن الاستدلال لهذا المعنى , أحيل على سؤال العمل لطه عبد الرحمن ص69 , وثلاث رسائل في الإلحاد والعلم والإيمان لعبد الله الشهري ص99 وما يتلوها


