رسالة في بيان فضل أهل الإيمان - 1
كيف يعمل العقل الإسلامي الأصيل؟
بسم الله الرحمن الرحيم ، الملك العليم ، منزل القطر من السماء ، محيي الأرض بالماء ، والقلوب بالأنبياء، ثم من تبعهم بإحسان من العلماء، والصلاة والسلام على سيد العالمين وإمام العاملين، محمد أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، سائلين الله أن يحشرنا في زمرتهم يوم الدين مع الأنبياء والصديقين والصالحين.
أما بعد ، فهاته رسالة إلى الأستاذ الإمام القدوة ، العالم النبيه والناظر الفقيه ، شيخ الإسلام أبو العباس أحمد ابن عبدالحليم ابن عبد السلام ابن تيمية، المنصف الجامع ، والمعلم النافع ، الذي كان للسنة تابعا ، وعنها مدافعا ، فجعل الله علومه منشورة في أصقاع الأرض، تصديقا لمحكم التنزيل : فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ. نسأل الله تعالى له المغفرة والرحمة ، وأن يسدل عليه ألطاف النعمة بما أفاد به هاته الأمة. كتبها التلميذ محمد مهدي على هيئة مختصر في بيان فضل علوم أهل الإيمان من النصوص الشرعية ، والأدلة العقلية ، والنقول السنية ، سائلا أن ييسر الله يوما يسلمها إليه فينظر فيها بما يليق بمقامه، وينثر عليها من بديع الفوائد وجليل القواعد باذن الله.
وقبل الشروع في بسط ذلك، ننوه أنه وبتقادم الأزمان وتوالي الأيام ، استحدثت اصطلاحات وتغير حد تعريفات كانت سائرة فيما مضى على معنى الى معنى اخر، على ما جرى من ابن آدم في ايغاله في التشقيق ثم التنميق، وكان أول هاته الكلمات “العقل” ، حيث أضيف الى دلالته الاشارة الى ما تكون عليه جماعة معينة من قواعد حاكمة للنظر على اختلاف المذاهب وتباين الآراء، فيقولون “العقل الإسلامي” ، للدلالة على القواعد الكلية التي يسير عليها أهل التوحيد في نظرهم ومصالحهم ، وكذا “العقل اليوناني” و”العقل المسيحي”.
وقد حدث من هذا أمر كثير نحاول التنويه إليه في ثنايا الصفحات مع الاجتهاد في الإيضاح قدر المستطاع، فطريق الطلب طويل و باعنا قصير ، لكن الأمل في الله كبير، وما خاب من توكل عليه في جليل ،فإن كان من خلل أو لبس فهو منا والله المستعان.
نقول ابتداء أن المؤمن عالم بفطرته النقية والكافر بالحجة القائمة عليه أن الإنسان ما خلق سدى، فهو يجد في نفسه من المعاني والصفات ما يمنع قيام هذا الاحتمال، كمثل كون كل شيء في مكانه على نحو مدبر. ثم أنه أنشأ لاقامة العبادة لله البارئ المصور فيما بسطه له من الوقت في الدنيا، وأعانه على ذلك بركز كيفية استعمال الحواس في نفسه، فعرف ذلك دون سابق تعليم، وذلل له الأرض وسخر له العجماوات بل والسماوات، ووهبه عقلا يفرق به بين الحق والباطل ، ويزن به الدنيء من الفاضل، ثم أتبعهم بالدين القيم والشريعة الغراء تقويما للفطرة ، وتبيانا للطريق ،وجعل العلم منارة عليهما، إذ يزكي العقل وينوره ويوسعه ،فكان ابن آدم بين خيارين ، أن يجتهد في العمل ويبادر إلى الأفضل ، فيعطى أجره ويزاد عليه بقدر إحسانه ، أو يخل بما أوكل إليه ، وينصرف عنه، فيقع عليه جزاء الآبقين، جهنم يكون فيها من الخالدين، ولا سبيل لرؤية منارة النجاة الا بدين وعلم، لا تمايز بينهما ولا تناجز.
وقد أبان الدليل وأظهر خالص البرهان لا التخييل، أن أهل الإسلام هم أفضل جامع لهما، فعندهم خير الأديان وأفضل العلوم، وهم خير أمة أخرجت الناس ، اذ يقول الله تعالى : “كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ” [ آل عمران 110 ] ، وكذلك قوله : “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا” [ سورة البقرة 143 ] ، ومن قول الرسول الله صلى الله عليه وسلم تجد : “نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله فالناس لنا فيه تبع اليهود غداً والنصارى بعد غد.” [ البخاري 876] وكذلك : “إنما مثلكم واليهود والنصارى كرجل استعمل عمالاً فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعملت اليهود على قيراط قيراط ثم عملت النصارى على قيراط قيراط ثم أنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغارب الشمس على قيراطين قيراطين فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملاً وأقل عطاء، قال: هل ظلمتكم من حقكم شيئاً، قالوا: لا، فقال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء.” [البخاري 2269] وغيرها من الأحاديث الصحيحة والنصوص الصريحة في تفضيل هاته الأمة.
وتفصيل ذلك، في حيازتهم لخير دين وأشرفه والذي في سياق الحديث عنه ، يقول تشارلز إيتون : “لقد أغلق الإسلام الدائرة ، واستعاد طهر الإيمان الابراهيمي ، وأعطى لموسى وعيسى مكانتهما المعتبرة، وأكد على طبيعة التوحيد المثالية، وعلى عبادة الله وحده لا شريك له، وعلى انعكاس تلك الوحدانية الإلهية على التوازن الشخصي والاجتماعي ، التوازن بين القوى المتناقضة ، وبين المستويات المختلفة للخبرات الإنسانية”1 . وهذا مما يظهر بالاستدلال بما يأتي بيانه.
وعلى كل حال، فتبرئة للذمة نقول أننا نسلم بصحة دين الاسلام اولا واخرا. وأننا لا نفترض الجهل بعد معرفة الحق. وقد أجاد ابن الوزير اذ قال ، “ليس يحسن بالمرء أن يفرض أنه من أهل الجاهلية بعد أن يكون من أهل الإسلام ، ولو فرض ذلك جاهل لدلته البراهين الصحيحة على ملازمة الحق . ولو فرضه عالم لكان ذلك عنادا واستكبارا”2 ،وأول هاته البراهين ، هو النظر في الكون من جميع جهاته، فما هو إلا تقليب بصر حتى يقابله من الإتقان والجمال الشيء العجيب، ومن المعلوم بالبداهة أن الاتقان والجمال لا سبيل إلا عن فعل فاعل مدبر عالم ، فالطبيعة محض جماد ممكن، لا شيء يوجب فيها أن تكون على الصورة التي هي عليها إلا إرادة مريد، وهذا مما يستغنى فيه بالفطرة عن الاستدلال النظري، فلا نجد عاقلا يقول بتشكل كتاب بعد أن لم يكن بسبب موجبات في طبيعة الحبر أدت إلى تراصف الحروف فيما بينها على نحو مقروء للإنسان دون تدخل مباشر منه، وهذا مما يثبت به وجود من دبر الأمور على نحو دقيق محكم، سبحانه وتعالى، وفي هذا يقول : “أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا“ [الفرقان 45].
ثم إننا لما عرفنا ان صانع الكون مدبر عالم مريد قائم بصفات الكمال وهذا هو الاله، ربما وقع في خلد أحدهم سؤال هل هو واحد أم عدة، وهذا مطلب جليل عظيم عليه دعوات الرسول، وهو توحيد الله تعالى، اذ أن وجود إلهين أو أكثر يمتنع لاداء ذلك الى فساد النظام الكوني، فان اختلفا وقهر أحدهما الآخر ، لم يجز أن يكون المقهور الها وان لم يقهر أحدهما الآخر فسد الكون ، وإن اتفقا فإما أن يفعلا نفس الشيء في آن واحد وهذا يعني حاجتهما الى بعض في الاتفاق، وهذا ممتنع ، والا يفوض احدهما الى الاخر ، وهذا يطعن في الوهية المفوض لعجزه والمفوض إليه لتلقيه أمرا. فإن ثبت أن الإله واحد، كان من لوازم ذلك الإذعان بالعبادة والخضوع له، فقد وجدنا بالتواتر توارد أخبار نزول أنبياء وكتب من السماء إلى البشر فيها الأمر بإخلاص العبادة إلى إله واحد، وهذا كما رأينا قد عرفت صحته بالفطرة، وهو مما لا يتيسر دفعه أو رده لثبوت النقل به على توالي الأزمنة.
لكن الإنسان يرى أنه مع تقادم الزمن افترق الناس في أمر الدين أحزابا قددا، إلا أن فيها الذي لا يقارب ما استنتجه من صفات الله تعالى ابتداء، فهو مستوجب للعظمة والقوة والإرادة والوحدانية والقيومية ، وفيها الذي ضاع لبه بين أمواج التاريخ، فلم يسلم له كتاب أو نقل عن المخبر الأول به، غير الاسلام الذي جمع صحة النقل مع موافقة العقل، ثم التفصيل فيما لا يستطيع التجاوز إليه في إحسان وبيان، مع إعجاز صاف استشفه العربي واستيقنه الأعجمي بالتواتر ، وأدلة عقلية تسوسها الفطرة قد جاء بها القرآن، تماما في البيان.
أما حيازتهم أشرف العلوم وأنفعها، فهذا متفرع على المعرفة بما يجعل العلم شريفا، وهو ما قرب الإنسان من هدفه وينفعه بصفة مباشرة، فكما يعرف العاقل من الزمان قصره، فهو يعرف من الدهر غدره، فيبادر بالأهم قبل المهم ويرتب الأمور على ما يكون لها من حق.
وعليه فان الانسان بعد ما عرف من الإسلام حقه ، يعلم أن أهم ما عليه هو تحقيق معنى العبادة في حياته، وعلى هذا قوام العلم الشرعي الذي يصبو الى تقريب المسلم الى ربه عبر أنوار النبي محمد صلى الله عليه السلام وتعريفه به وبصفاته وأسمائه وأحكامه ، والإرشاد إلى تفهم كتابه وتدبر آياته القرآنية والكونية فانظر إلى قوله تعالى في الأولى “كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ” [ص 29] ، وفي الثانية قوله عز وجل “سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ” [فصلت 53] فتزكو روح المؤمن وتصبو الى معالي الامور والعلوم من الشرعي المحض الى الطبيعيات والرياضيات وما ينفع الإنسان في دنياه مستحضرا معنى العمل الصالح وكفاية الأمة.
و بالجملة ، يجتهد العقل الإسلامي في الإعراض عن اللغو ، والإقبال على ما يعنيه من الأقوال والأفعال، وهذا لعمري ترى مصداقه في طي الأرض للصحابة الفاتحين ومن بعدهم من التابعين، إذ عمروا في قرن ما لم تبلغه مملكة قط في مئات السنين، وهذا المعنى متواتر في الحكمة، قال الله تعالى :“والذين هم عن اللغو معرضون” [المؤمنون 3] ، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام : “من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه” [مسند أحمد 1737] وكان هذا ديدن من اشتهر بالعلم بين المسلمين، ومثال ذلك عبد الله بن المبارك، الذي كان “اقباله على ما يعنيه” من أكثر ما وصف به.
ولكن من سنة الله الباقية في خلقه أبدا ألا تخلو أمة من صنوف الفرقة والاختلاف، وكذلك كان الأمر في الإسلام، إلا أن التاريخ مصداق لكون هذا أقل ما يكون في الأمة محمد عليه الصلاة والسلام.فما يمكن جمعه من الفتن بين الملوك والطوائف والمذاهب وما وقع فيها من الفساد المعلوم ، لا يقع في بعض ما حصل في سائر الأمم ،وليس هذا موضع بسط الأمثلة وإن كانت معلومة لمن أنصف.
وعموما، فإن أفضلية المسلمين ظاهرة بدينهم و علومهم، ولكن هذا لا يقوم دليلا على فضل النظم العقلي الإسلامي و أصالته، ولذا نحاول سبر مايميزه في ما يلي ان شاء الله قائلين :
أننا إن رمنا معرفة ما قد يميز عقلا ما -بالاصطلاح الحادث-، فنحن نسأل عن “معالم” تحكم تفكير المسلم على اختلاف مشاربه ومذهبه ، ويمكن سبر هاته المعالم في هاته الأسئلة :
- ما العقل الإسلامي
أين يعمل العقل الإسلامي
كيف يعمل العقل الإسلامي
لماذا يعمل العقل الإسلامي ؟
ونشرع في معالجتها باسم الله.
فصل في ماهية العقل الإسلامي
ابتداء فإن سؤال “ما” العقل، ليس المراد به سبر الماهية إذ ليس العقل بجوهر، بل هو حاسة وعرض، كما قال الشيخ في فتاويه : “اسم العقل عند المسلمين وجمهور العقلاء، هو صفة، وهو الذي يسمى عرضا قائما بالعاقل”3 خلافا للفلاسفة ، إذ لا زالوا في غيهم يعمهون ، وفي ضلالهم يرتعون مع ما ظهر من أسباب خطأ هذا القول حتى في آلتهم (المنطق)، بل وذهبوا الى أن العقل هو من يحدد ماهية الأشياء، وأنه الحاكم على كل شيء، فالحقيقة عندهم ليس إلا تمحلا لما يراه العقل، وهذا القول باطل من أساسه،فهم إن سلموا أنه جوهر لزمهم أن تلحقه صفات الذات فيكون شيئا ثابتا متعينا متحيزا ومستقلا كما قروره في أصولهم، وهذا ممتنع فيه ،فهو يحمل من أسباب الحياة والحركة وقوة التغير ما لا تطيقه الذات فضلا عن امتناع اجتماع الذوات في نفس الإنسان، فنحن نعلم بالبداهة أن المجنون الذاهب عقله له ذات ، فهل الإنسان السوي له ذاتان ؟ ثم جاز لنا افتراض ذاتية الحواس الأخرى، فنقول أن الذوق ذات والشم ذات، وهذا فيه من التعسف والتقسيم لطبيعة علم أنها متجانسة لأحادية الشعور عندها.4
فان تقرر هذا، قلنا أن العقل إذا كان أقرب إلى الصفة والعرض، فإن لها ما يوجب حدوثها، وهي في العقل عند تحقيق السبر والتقسيم ثلاث : فطرة ونقل ونظر.
الفطرة :
فأما الفطرة -أو الضروريات بالتعبير الحادث- فهي لب العقول ومبتدأ العلوم،، فمعرفة الإنسان أصلا بكونه عالما أو جاهلا عائدة الى وجود نفسه عالمة لذلك من غير مقدمات سابقة، ولهذا لا نحتج على منكر العلم الا بوجودنا نفوسنا عالمة5 ولا يجوز أن يستدل الإنسان على كونه عالما بدليل، فان علمه بمقدمات ذلك الدليل يحتاج الى أن يجد نفسه عالما بها، فلو احتاج علمه بكونه عالما يحتاج الى دليل أفضى الى الدور أو التسلسل وهذا ممتنع6. وهكذا تكون الضروريات، بمحل يكون إنكارها محض عبث ومكابرة، فقد يتعرض معترض ويقول : أنه لا يصح اتخاذ مصدر للمعرفة دون دليل، قلنا سلمنا بذلك، فما الدليل على إمكان المعرفة ؟ فإن أجاب قلنا أنك قد “عرفت” دليلك،لكنا نسأل عن إمكان المعرفة أصلا وهو ما لا تستطيعه بالاستدلال إلا بتحمل التناقض، فهذا مما يجده الإنسان مركوزا في نفسه -وهذا بالمناسبة دليل على محدث لها في النفس ومركب، فالطبيعة لا تقول لك شيئا عن عدم التناقض-، ثم إن شئت أن تدعي نقض بعض ما يكون بالفطرة، فغاية هذا فضائح العقول من تناقض ودور بين واضح.
فقد علمنا الشرع أن الله سبحانه وتعالى خلق عباده على الفطرة التي فيها معرفة الحق والتصديق به، ومعرفة الباطل والتكذيب به ، ومعرفة النافع الملائم له ومحبته، ومعرفة الضار المنافي والبغض له، فما كان حقا موجودا صدقت به الفطرة فأحبته واطمأنت إليه وذلك هو “المعروف”، وما كان باطلا معدوما كذبت به الفطرة فأبغضته وأنكرته ، ثم إن الفطرة قد تمسح وتغير بتأثير خارجي ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ علَى الفِطْرَةِ، فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أوْ يُنَصِّرَانِهِ، أوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنْتَجُ البَهِيمَةَ هلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ“ ، ولكن الرجوع اليها ممكن إذا أخلص المرء القصد ووفقه الله تبارك وتعالى ، فالعلم لا يحصل من محض النظر والاجتهاد كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
وقد يعترض معترض فيقول أن كل واحد يدعي موافقة الفطرة، قلنا أن لكل ادعاء بينة وللاعتقاد المطابق للفطرة قرائن لا تخفى، فأنت تجده في متسقا مع الكون و سيرورته، ومن ثم مطمئنا ساكنا ثابتا، وتجد فهمه أقرب للقلوب والعقول ويقر به الكبير والصغير ، ألم تر أن الجميع يتفق على عدم جواز الكذب ؟ وترى من يكذب يطلب لنفس الأعذار ولا يشرع إمكان الكذب لأي سبب كان ؟ وكذلك هم المسلمون الذي خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم ، تجدهم مطمئنين مسلمين متسقين مع ظاهر الكون ، وليس للشاك المضطرب التعالي عليهم ، فإن قالوا بل الشك هو الحال التي يجب عليها الذي يريد العلم، من عدم التسليم بالمسلمات، وفحص كل شيء، ألزم ترى أن العلم تقدم بسبب نبذ الأفكار التي تظهر بادي الرأي ؟ قلنا بل اليقين هو الحال الأصلي، فأنت لم تشك الا وانت موقن بإمكان وجود
حقيقة أخرى للذي شككت فيه ، ثم بإمكان التوصل اليها بعقلك ، ثم بوجود وسائل تعينك على مقصودك من فحص وسبر واستنتاج، والشك لا يقوم إلا بقرينة، وإلا كان سفسطة وعنادا، وتحقيق هذا القول لا يظهر في الواقع ولا يتحقق، ولا يعتمده انسان واحد، فكل شيء يمكن ايراد عليه شبه سفسطائية إلى ما لا نهاية ، حتى نسب الإنسان ووجوده نفسه، وهذا هو محض العناد الذي نتحدث عنه، وتلك هي محض الفطرة الواضحة النقية التي نذكرها.
ثم إن العلم الذي يقصده الخصم لم يكن منبته الشك في كل شيء، بل هو مطابقة لما تحقق من نتائج طبيعية مع افتراضات ما جعل الله لها من سلطان، فلا نحاكم إلى من يرى بمحض الخرافة ويعتقد البهتان من الجهال.
النقل
يتلو ذلك النقل ، وهو عند أهل الإسلام الذين تقرر فضلهم وأحقيتهم بوصف الصلاح بين الأمم هو القرآن -كتاب الله تعالى العزيز المنزل عن طريق الملك الكريم جبريل إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم- والسنة - وهي ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير ، وهما مبتدأ العلم وأجدر الوسائل بالتدبر والفهم ، ،هما أحسن الكلام وأنفعه لابن آدم مطلقا ، والأمر كما وصفه الإمام ابن عبد البر “واعلم يا أخي أن السنة والقرآن هما أصل الرأي والعيار عليه ، وليس الرأي بالعيار على السنة ، بل السنة عيار عليه”7 ، ونوضح ذلك فيما يلي :
القرآن الكريم :
مبتدأ الأمر ومنتهاه هو القرآن الكريم ، الكتاب المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، المعجز ببيانه ومعانيه ، تحار العقول فيه وتصغي الأفئدة إليه، هو عمدة الأدلة وعماد البراهين ، الوافي بالحجج والقائم بالدين، ومنهجه في التقرير والاستدلال هو أكمل المناهج وأوعبها وخيرها يسرا وتفهيما للسامع ، من حاد عنه سقط ، ومن زاد عليه لغط ، تميز بخصائص لا تقع لغيره ولا تجتمع ، فهي :
أن حسن الكتاب يكون من حسن صاحبه ، فكتاب العلماء ليس ككتاب السوقة، وكتاب الملك ليس ككتاب الحاجب جلالا وهيبة، وسعة وبلاغة ، فما بالك بكتاب الرب العزيز الجليل ملك السماوات والأرض ؟ ثم قد يعترض علينا فيقال أن هذا افتراض لصحة كتابكم بل ولوجود اله اصلا، قلنا بل هو مما قام عليه الدليل وتوصلنا إليه بحجة وبرهان ، وما فيما ذكر قبل هذا بلغة لمن نظر ، وفي البحث فسحة لمن شمر.
إعجازه الخلق سابقا ولاحقا، فقد وقف جهابذة البلاغة و فطاحلة الشعراء عاجزين مكتفين في أس صناعتهم أمام كلام نزل على من لم يقل الشعر ولم يعالج النظم طيلة حياته، بل ولم يكن يخالط مجالسهم حتى ، في بيان واضح على محدودية ما للإنسان من قدرة، ثم تتالت الأجيال، وانتقل الإعجاز الى مبنى النظم والعلم ، فعلى تطاول الأزمان لم تنضب علوم القرآن، ولا زال المتدبرون له يتفهمون منه ما لم ينهه القديم ، ويرون صدقه عيانا كل مرة. ولعل قائلا يقول أنه لا يسلم بإعجاز عقلي في القرآن، فنقول أن الحجة قامت عليه بالخبر المتواتر في بلاغته وعدم قدرة أرباب الصنعة في مجابهته مع تحديه لهم ، ثم إن هاته دعوى عليه دليلها، فالرد على محض الهوى إضاعة للوقت والجهد، هدى الله تعالى القائل : وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام 68] ، وإن أتى ببرهان اجبناه ، أما الإعجاز اللغوي/النظمي فليس هذا مكان معالجته ، ولكن فلينظر كتاب النبأ العظيم لمحمد دراز فقد جوده وأحسن فيه.
جمعه علوما لا تجتمع في كلام آخر دون خلل أو تجاوز أو نقص بينها، فالانسان لا يستطيع الاحاطة بكل العلوم ثم يتحدث فيها على نفس الدرجة من الصحة والإجادة، إلا أنك تجد القرآن قد جمع أشتات العلوم في نظم عجيب، فهو يتكلم في التشريع والتاريخ والطبيعة وغيرها دون ظهور عور هنا أو هناك، ممهدا القواعد العامة والجمل التي تشكل العقل الاسلامي، بل ويزيد علوما على ماقد يحصر البعض العلم فيه، فهو يتكلم في القلوب وأمراضها بسبر عميق ودقيق للنفس الانسانية ،وكذا في علوم الغيب ، فضلا عن بسطه طريقة استدلال يسير عليها المتمسكون به الى الان، مبتغين علوه وحسنه ، وفيها نقول :
فصل في الطريقة الاستدلالية القرآنية :
أن الطريقة القرآنية هي خير الطرق في الاستدلال العقلي والترتيب الذهني، وزعم بعض الخائبين أنه ليس فيه من البرهان شيء، بل منتهاه كتاب حكم وأمثال وعظات يقرأ للتفكه -نعوذ بالله من سوء المنقلب ونستغفره- ، وقالوا أن ذلك سببه أنه كتاب ديني ، والكتاب الديني لا يخاطب عقول الناس وإنما يخاطبهم دون برهان ليؤمنوا به. وهذا التركيب لا يخلو من خطأ في كل مقدمة ، فأولا ، اطلاق الأحكام الجاهزة ليس ديدن العقلاء ودعوى أن الكتب الدينية خالية من البرهان محل تساؤل، فلماذا هي كذلك ؟ وما الذي يدفع الناس -مع وجود كبار الأذكياء والحذاق فيهم- على التدين ؟ بل هذا زعم يعززه غرور المرء الذي يظن نفسه معيار الحق ومقياس الصواب ، ثم يسمع بأسماء تطيش منها الألباب كأسماء الفلاسفة وعلماء الطبيعيات، فيعتقد أن الناس كلهم كانوا على ضلال لعدم وجود فلان بينهم، ثم إن في الفصل بين الإيمان والدليل تعسف واضح ، فالدليل - مطلقا - محتاج للايمان بالقواعد المعرفية الضرورية ، الفطرية كما قلنا من قبل - ككون الإنسان عالما أصلا كما بينا مسبقا - ، لكن هذا هو مصير من لا يرى الفطرة مبتدأ علومه ، ينتهي للتناقض في آخر مطافه.
ومن ثم ظهر لنا إمكان وجود نوع الدليل البرهاني في القرآن الكريم ، فماذا يقول القرآن نفسه عن ذلك ؟ أولا، طالب القرآن المخالفين له الصادين عنه بدليل يبرر سبب صدودهم ، حيث قال الله تعالى : قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة 111] ، وقال تعالى : ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الأحقاف 4] ثم إنه قال أن فيه من الأدلة ما يغني ، ففيه :وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ [النحل 4] ، ومعلوم أن بيان الحق في مواضع الخلاف لا يكون الا بدليل وقوة حجة وخطاب، وكذلك : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ [النحل 89] ، وأولى الأشياء بالبيان : دلائل الإيمان فإذا كان الله تعالى قد بين في كتابه دقائق الأحكام -وهذا واضح لقارئه- ، فكيف يقصر عن بيان ما هو أهم من ذلك كله وهو دلائل أصول صحة الدين؟8
فان تقرر هذا وظهر أن القرآن يقول أن فيه من البراهين والأدلة ما يكفي الناظر، نظرنا في صحة هذا فألفيناه حقا،، وإن كنا لا نستطيع الإتيان بجل الأدلة في هذا الموضع لاستغراقها ما لا تجيزه هاته الأوراق القليلة، فإن ما ترك كله لا يترك جزءه ، فلنحلل آية فيها دليل ساطع وبرهان لامع على كمال الربوبية لله تعالى، واثباتها بأجزل عبارة وأبينها ، فنقول :
أن من أدلة وجود الله تعالى تخصيص الكائنات ووجودها على شكلها التي عليه، فالجماد ليس مدبرا، وليس هناك سبب من الطبيعة يبرر وجود الأشياء على ما هي عليه، إذ كان يقضي الامكان تغيير شيء دون شيء، وجعله على غير حاله التي هي عليه، وفي هذا يقول الله تبارك وتعالى في القرآن : لَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا [الفرقان 46] ، وكذلك : “قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ” [القصص 71-72] ، ويورد معترض اعتراضا فيقول أن محض الاتفاق هو الذي اختار هذا الممكن ، فنقول أن هذا يخالف ما يدعيه المناقض من مساءلة كل شيء والبحث عن جواب عليه ، فضلا عن أنه ليس تفسيرا بل هو معناه الحقيقي أن المعترض لا يفهم الحدث كفاية إلا فيه كبرا زائدا يمنعه من التسليم بذلك ، فيتعلل بالصدفة ، وفي ذلك يقول الله تعالى : وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص 27] ، وقال كذلك : “مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ” [الزخرف 20] ، وإن سلمنا بالعشوائية تنزلا ، فمن العجيب الغريب توارد الصدف على نظام متقن محكم تلتئم فيه القطع بحيث تكون مسخرة للإنسان بما يتيح له العيش في الأرض دون أن تختل نسبة أو يعمل شيء بما يناقض الآخر ، فاحتمال أن تتوارد الصدف ويختار الشكل الممكن الذي نحن عليه في حكم المحال عند محققي علم الحساب والاحتمال ا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ” ؟ [الملك 3]
خصائص الدليل القرآني :
فهذا غيض من فيض لا يدرك قعره ولا يوصل الى منتهاه، تجد فيه خصائص لا ينتظم بعضها في دليل فضلا عن جلها، وهي :
قرب الدليل للمستدل واستلزامه الإيمان بعد المعرفة ، فالدليل القرآني ليس من التجريد والتعمق الفلسفي بمكان، ثم إن الذي ينظر ويسلم به يؤمن ولا يقتصر على محض المعرفة التي يشترك فيها مع إبليس، ، فالدين يقضي أن مجرد معرفة وجود الله تعالى لا تحقق النجاة = هدف الإنسان، لذا كانت الأدلة القرآنية تتكلم عن بيئة الإنسان ومحيطه بما يربطه مباشرة بصانعها، ثم توجه عظة تمر بالأمر الى اطار البلاغ الايماني.
السهولة والمباشرة ، فترى في المثال الذي سبق أن الدليل لم يكن بالعسير الذي يلزمه عبقري وقف على كتب الأولين والآخرين لفهمه ،بل يفهمه الذكي والعيي على حد سواء ، لأنه لا يتشعب في التنظير والتشقيق،بل يأتي بما يلزم للموضع المطلوب.
إيجاز الدليل ، فقد جاء الكلام في سطر على هيئة مثل بسيط ، بينما احتاج ذلك من كلام العلماء إلى بسط مجلدات مع تطويل و سبر وتقسيم، وقلق في العبارة وخفاء في المعنى، وربما شبهة تقع عند ذلك
فإن علم المرء هذا لم يجز له الاستحياء من استحضار القرآن عند مواضع الحجة والمناظرة، تعللا بأنهم لا يؤمنون به وأن هذا مصادرة على المطلوب، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم -قدوة كل مسلم ونبراس هديه- كان يدعو الناس بالقرآن وكذلك الصحابة من بعده، وحاشاهم أن يكون ذلك لعيب فيهم، بل هو أمر رباني مباشر، قال الله تعالى : كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ، فإن قالوا أن هذا خاص بالمؤمنين، قلنا أنه قال كذلك : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ، فالأمر بإيصال الرسالة إلى العالمين لم يكن قط منفصلا عن الأمر بتبليغ القرآن إليهم، لأن فيه من الأدلة الكافي الوافي. إلا أن البعض يلحقهم من شعور النقص عند إيراد الأسماء الطنانة والطبول المجوفة، فيفرض نفسه جاهلا بالهدي القويم، كما ذكرناه سابقا.
السنة النبوية :
ثم يُكوِّن العقل الإسلامي تعرضه لأنوار السنة النبوية -الوحي الثاني ومصدر التشريع التالي للقرآن الكريم- يهتدى باتباعها ويستغنى باقتدائها، فهي المعيار والحد بين الصراط القويم وسبل التفرق والابتداع ،، فان صحة المذهب إنما تقاس بقربه للسنة المطهرة، بل حتى ميل الناس إليه بفطرهم وأفهامهم تكون كلما كان أقرب إلى هدي السنة ، لأن أعلم الناس وأبصرهم بما نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه -هذا بالنسبة للمذاهب- ، ثم إن الرأي في الدين الحق أن تكون تعاليمه متناسقة متساوية على مر الأزمان ، وهذا ما لم يتحقق في غير دين الاسلام ، الذي تتصل سلسلة تعاليمه ونصوصه من أول الكلام بها إلى الآن دون تغيير أو تبديل، وهذا لم يعلم له في التاريخ بديل (فحتى التواريخ التي يزعم أكابر المحققين أنهم نقحوها وهذبوها لا تخلو من المبالغة وعدم التوثيق وغير ذلك) تصديقا لقول الله تعالى الذي وعد بحفظ الذكر، فسخر لذلك ثلة من العلماء المسلمين الذين انقطعوا للحفظ وتتبع الروايات وتقصي الصحيح من الخطأ في جهد بشري جبار، فكان المحدثون.
ولطالما كان مدخل الطعن في عقلانية السنة والنأي عن أنوارها هو في غمط ما انتهجه المحدثون حقه ورفض تحقيقاتهم ورد ترجيحاتهم، سواء من المخالفين للهدي القويم داخل دائرة الإسلام أو الكفار (مع اختلاف الدرجة بالطبع) ، وهنا نقيم الحجة على تفوق منهجهم باختصار نأمل ألا يخل ، وعلى الله التكلان ، فنقول
فصل في منهج المحدثين :
ندعي أن المحدثين قد قاموا بخير لتقعيد لأدوات النقد في علم التاريخ، وأن من يرومون نقضهم لا يقدمون بديلا، بل تجد أ، أغلبهم يصير قولهم إلى عدم إمكان المعرفة التاريخية أصلا، وهذا من التعسف المعارض للفطرة التي تسلم بالخبر كمصدر للمعرفة وسبب هذا الفرض عائد إلى ثلاث أسس :
التخييل العقلي الذي يزعم أن على الإنسان تأسيس اعتقاداته وعلومه على أساس ثابت لا دخل للإيمان به ، وأن مبتدأ هذا هو الشك في كل معرفة كانت، وهذا مما لا يحصل في الواقع، وذلك لامتناع تجوهر العقل كما تقدم سابقا، ولأنه عند التحقيق نجد أن الإجماع هو الذي يهب المباني معاني، فالتأليف والربط بين مفاهيم ومؤثرات وأشكال معينة هو ثمرة ما أجمع عليه العامة قبل الخاصة ، ولا يكون في النفس البشرية ابتداء، مثلا : لن يعثل الطفل معنى الأسد والخطر إذا لم يتلق معلومة “الأسد خطير” ممن يحيطه ، فيكون ذلك الموجه لحواسه نحو استجابة محددة إن حصل والتقى بسبع.
أما الشك ، فإن القول بأنه أول المعرفة لا يتأتى لأنه يستلزم اليقين أصلا في كل خطواته ، فهو يحتاج قرائن، أما ما كان ابتداءا فهو عبث يناقض طبيعة المعرفة الإنسانية المنطلقة من حاجاته وضروراته ، فالنفس ليست عن العالم، فتكون معارفها ومسلماتها منفصلة عنه تمام الانصراف.
التحيز والتعصب في علوم التاريخ وما شابهها، حيث يدعون أن علم التاريخ والنقد وما شابهه لا يعتد به لإمكان بل وحتمية وقوع التعصب والتحيز وغمط الحقائق، وهذا لعمري لو قيل فيما يغالون فيه من العلوم لصدق، فيجوز أن نترك البحث الرياضي لاحتمال وقوع الخطأ فيه، بل وحتمية ذلك في لحظة ما، وربما تعصب البعض لفكرة في المجال الرياضي فذهب يخفي النتائج التي تعارض ما توصل إليه، وهذا الرأي صدر عن فهم خاطئ للأمر الذي يحرك العالم، فهو لا يسعى لمطابقة الواقع في أغلب الأحيان (فضلا عن الحديث عن شعارات خدمة البشرية) بل يسعى لحل مشكلة، وهذا قد ظهر في الطبيعيات أكثر من أي شيء آخر حيث اخترع أهلوها علوما مبدأها الافتراض، كالتحليل المعقد الذي هو افتراض عدد لا وجود له في الواقع و يرمزون له بi لحل مشاكل دقيقة في نظرهم ، ثم ان التاريخ قد يكون أقل عرضة للتعصب من بعض علوم الطبيعيات ، وذلك لأن موضوعه يكون حادثا وقع في الماضي مع معطيات ومعلومات محددة يبقى على المؤرخ الترجيح بينها، أما موضوع الطبيعيات فهو حدث يحدث أثناء الدراسة مع إمكان عدم تكراره ، وسعي الناظر فيه لمطابقة توقعاته وبناء علوم عليها.
ونحن إن قلنا أن التاريخ بطبيعته الإنسانية قد يكون فيه من التحيز ما لا يمكن دفعه، فنحن نقول أن التاريخ نوعان ، فهو إما فهم واستنباط وهذا هو الجانب الذي تقع فيه العصبية، وإما نقل وجمع له ، وهذا لا يقع في تحيز لأنه محض جمع للمعلومات مع التأكد من صلتها بمصدرها الأولي.
وبما أن علم الحديث ونقله من التأريخ الجمعي لا التحليلي، فهو بطبيعته أقل عرضة لما يأتي من التحيزات والتعصبات على الإنسان، ولكن نقل الكلام لا يكون سبب رده العصبية فقط. فقد يطرأ على المرء الخطأ والخوف والكذب والنسيان، إلا أن أن طريقة أهل الحديث خي خير ما يكون لتلافي مثل هاته الاحتمالات، وذلك لأنهم :
اعتمدوا على معايير فطرية لقبول الخبر وقياسه، فالخبر الذي يأتي عن عدد معتبر من الناس المختلفة مشاربهم وأماكنهم ومصالحهم، على اتفاق بينهم في جملة الحدث والعبارة مقبول قطعا ، وهذا ما يسمى بالتواتر، وكذلك اختلاف مراتب الناس في الحفظ والضبط والتقوى ، وعدم كفران هذا ،
الاعتماد على المقارنات والموازنات بين الروايات، فتجد من أعمال المحدثين كتابة الحديث الوحيد من أوجه -أي طرق- كثيرة ، واستقراء الأحاديث في الباب أو الموضوع الواحد، أو التي وردت عن شخص واحد لمعرفة الأصح من الصحيح، بل وحفظ وكتابة أحاديث من يعتبرون ساقطين بميزانهم، لأن العملية النقدية تهتم بجمع الروايات دون ضرورة العمل بها.
يرجعون إلى مرجع حاكم يوجه النقد مبني على قواعد أوعبوا في الاستدلال عليها ، من جملتها عدم وقوع التعارض داخل النسق الداخلي، أي ألا يتعارض القرآن والسنة أو يقع تضارب بين حديث مصحح وآخر في نفس درجة الصحة، وعدم وقوعه مع الطرف الخارجي، أي ألا يتعارض مع الواقع المشاهد والحقائق الثابتة ولا مع صريح العقل، وليس كل عقل بصريح، وكذلك عدم انفراد شخص واحد بما يكون من مهمات الدين وضروراته (كحكم زائد في الصلاة على سبيل المثال)
الاجتهاد في تعضيد العملية بوسائل أخرى، كالتخصصية العلمية ، فتجد من كفى ثغر مراجعة الرواة وتحقيق مراتبهم، وتجد من كفى الناس طريق تبويب الأحاديث ، وكذلك من قام على الأسانيد ومن قام على المتون في عمل متجانس متكامل تحار فيه العقول ، وما هذا إلا من توفيق الله عز وجل ، وكذلك الاهتمام بعمل الصحابة لكونه رافدا مهما في فهم السنة التي عاصروا زمن التكلم بها.
وقد يعترض معترض فيقول أننا لا نسلم بترجيحات المحدثين لا لخلل في طريقتهم بل لشكنا فيهم ابتداءا، وهذا متولد عما أوضحنا من قبل أن الشك ليس هو الموقف الأولي، بل لا يقع الشك إلا بقرائن ودلالات على ما يوجبه، فإن قالوا أن ذلك بسبب مواصلتهم للحكام واتباعهم لأهواء السلطان، قلنا أن التاريخ يقول عكس ذلك، فإن من أهل الحديث من لم يدخل على السلطان قط مع رؤية الكره الشرعي في ذلك ، بل أن منهم من أوذي في هذا الأمر -وتجد فيهم مالك بن أنس وسفيان الثوري فرسان الرواية في عصرهم-9 ، ثم إن صح الأمر، أليس للعامة قلوب يعقلون بها أو عيون يبصرون بها فيشنعوا عليهم أو يتركوا تعظيمهم ؟ إذ يروون الأحاديث والأخبار في كره دخول العالم على السلطان ثم يأتونه، فهم يقولون الشيء ويأتون عكسه، بل هذا هو ما يظنه هؤلاء من أنهم أشد قوة وعقلا ممن سبقهم ، ولكن الله يقول : أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [الروم 9]
وإن قالوا بل هو النسيان وجواز الخطأ، قلنا أن هذا صحيح لكن جواز الخطأ لا يلغي الصحة بل هو افتراض وظن يلزمه الدليل فيأتي بكل حديث تم تصحيحه ويبرهن على وقوع السهو والخطأ فيه - ، وإن قالوا بل هي التعصبات المذهبية ، قلنا أن هذا كلام من لم يقرأ كتابا في الحديث، حيث يجد فيه روايات من ثبت صدقه وإن خولف في مذهبه. ولهذا شهد أساطين محققي علم التأريخ من الغربيين بكمال هذا النظام فتجد من يقول “قيمة نظرية الإسناد في تحقيق الدقة لا يمكن الشك فيها ، وأن لدى المسلمين ما يخولهم الفخر بعلم حديثهم”.10
وبالجملة فهذا الكلام كما قلنا مرده لعدم اعتبار الفطرة ، فالانسان يعود دوما الى من هو أعرف منه بعلم أو فن من الفنون وإن جاز عليه الخطأ، ألم ترى أن الناس تثق بالطبيب وبما يصفه من الدواء، رغم تقادم الأزمان بينه وبين الدرس غالبا ولا ترى من يشكك فيه رغم حدوث الأخطاء منهم على الدوام ، وبالإضافة إلى ذلك وكذلك لا يمكن أن يتم ابتكار وابتداع شيء جديد ليحل محل شيء آخر ثم لا يحفظ ذكر القديم إطلاقا ، خاصة إذا كان هذا الشيء دينا متبعا دون إثارة إنكار او تعقيب خصوصا اذا كان الأمر قريبا من الرسول صلى الله عليه وسلم مصدر الكلام والفعل، فلا يشعر أحد بالتناقض بين عمله وممارسته وبين ما يسمعه عن الأحاديث.
النظر :
أما محض النظر العقلي فهو شرط اعتباري في تحصيل العلم وليس بالضرورة، أي لا يلزم من وجوده حصول المعرفة اضطرارا خلافا للفلاسفة ومن سلك طريقهم قديما وحديثا، وهنا أنقل جملة مختصرة مما قال الشيخ في رسالة وضعها للرد على سؤال عن الحق بين مذهب أهل الحديث وأهل اليونان، حيث قال ما مفاده : أن النظر في الدليل كالنظر في الهلال، قد يراه شخص واضحا تاما ساطعا ، لا يتراءى لآخر لعارض وقع من الغيوم ، أو لعشى في عينه ، وكذلك الناظر يحول بينه وبين الانتفاع حائل من عصبية أو غيره ، وربما لعمى في قلبه، لذا عليه أن يسعى لشيئين :
الظفر بالدليل الهادي.
الاهتداء والانتفاع به.
وقد أمر الشرع بما يصلح حال الشرطين فتتنزل على قلبه الأسباب الهادية ويصرف عنه الأسباب المعوقة، ويكون ذلك بذكر الله تعالى الذي يعطي أصل العلم وأعلاه = الايمان ، وابتغاء دليل الهدى (القران والسنة) ثم الاعتماد على الله للتوجيه إلى الحق، فقد يقطع الإنسان بتصديقات هي في أساسها باطلة، وقد تكون تصديقاته حقا ، وهذا غالبا لا يكون حتى يكون عنده من العلم الثابت في القلب ما لا يحتاج حصوله اللى نظر، فيكون سببا لمطلوب آخر.
فبالجملة ، يكون طريق المؤمن الجمع بين ملازمة الذكر والعبادة والتفكر والنظر في أدلة الحق والهدى على ضوء معرفته الفطرية ، وأن ما يقع في نفسه بأنه عالم كما يقع الطعم والرائحة. فإن اعترض معترض وقال أن هاته افتراضات ليس عليها برهان ، قلنا أن الخصم يطلب البرهان العقلي -الذي يتخيله- ، ومن المعلوم أن العقل لا يقدر على عقل الغيب بل يمكنه تقرير إمكانه وتصوره فحسب، وثم وردت أدلة النقل الذي تقرر صدقه سابقا على هاته المعاني، وخير مثال حصول وجود الدليل وتحقق النظر فيه دون استلزام ذلك علما في التاريخ، ألم ترى إلى فرعون الذي أيقن بنبوة موسى ورسالته من الله تعالى لكنه استكبر وجحد لما في نفسه ؟ وكذلك تكون المباكرة والستور التي تقع على القلب ، وكما قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز : “وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ”، ولب الإشكال الذي يقع لهؤلاء المعترضين هو تحكمهم في مصادر العلم ومن أين يتلقى وكيف يحصل ، فلا يعتبرون سوى طريقا واحدا كل حسبما يرى ، كمن جعل المنطق الأداة الوحيدة للمعرفة وأن من لم يحققه فلا يعتد بعلمه ، لكن علم الإنسان بكونه عالما مرجعه إلى إيجاده ذلك في نفسه وإحساسه به دون واسطة كما بينا ، والمعترض على الناس لا يكون له أن يخبر عما في نفوسهم بأنه ليس علما دون حجة أو دليل، والحجة تكون إما بيانا لبطلان المسألة التي يخوض فيها مدعي العلم من أصلها، أو أن تكون المسألة حقا ويدلي فيها بباطل، وهذا مرده الى عدم التوفيق في النظر في الدليل الصحيح (وهذا هو موطن التحرير هنا ، ما هي الأدلة التي عليها تشكيل العقل) أو الإعراض عنها بالكلية.
وعليه فالمؤمن لا يمنع طريقا من طرق المعرفة ما لم يتحقق بطلانها مع استحضاره أن كون النسق منطقيا لا يعني أن النسق صحيح ، وهذا يتبين في سير مع لوازم الأقيسة والأدلة وطردها. فان شاء أحدهم النظر في علوم العربية ، فلا بأس بالتمعن في الكتب والأخذ عن أفواه الشعراء وأهل البادية والأعراب والتأليف وأي طريق وجد أنها تفيده على ما يقوله أهل التحقيق منها.
فعلى كل حال، علمنا أن العقل الإسلامي انكا يتشكل بمصادر المعرفة الأصلية : الفطرية (والتي يتفرع عنها الخبر والتجريب والسماع) ، والنقلية (الكتاب والسنة) والنظرية (العقلية)، جامعة لأصفى العلوم من أصفى المناهل.
الإسلام ومصير الإنسان ص44
تفضيل أساليب القرآن على أساليب اليونان
مجموع الفتاوى، المجلد التاسع ص286
سؤال العمل لطه عبد الرحمن ، ص65 بتصرف
الانتصار لأهل الأثر ص46
الانتصار لأهل الأثر ص47
جامع بيان العلم وفضله - ابن عبد البر 2/172
الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد - ص62
سير أعلام النبلاء 8/79 وكذلك 7/264 لمالك وسفيان ترتيبا
مرجليوث - محاضرات عن المؤرخين العرب - ص20




